אולריך זיגמונד
אולריך זיגמונדReuters/Peter Gercke/dpa

أرسلت الانتخابات الأخيرة في ألمانيا موجات صدمة سياسية ودبلوماسية تجاوزت حدود البلاد بكثير، ووضعت إشارة تحذير واضحة أمام المؤسسة الأوروبية بأسرها.

ولا يمثل الصعود الكبير لحزب اليمين المتطرف، البديل من أجل ألمانيا، مجرد حدث موضعي في منطقة أو أخرى، بل يشكل دليلًا على تحول عميق في الرأي العام.

وفي مقابلة مع القناة السابعة، تحاول أولغا دويتش، نائبة رئيس إن جي أو مونيتور والخبيرة في العلاقات الإسرائيلية الألمانية من معهد مسغاف للأمن القومي، تفسير العوامل التي أدت إلى هذا الانتصار، وتصف تأثيراته المباشرة على مستقبل الجالية اليهودية وعلى منظومة العلاقات المعقدة مع دولة إسرائيل.

وبالنسبة إلى دويتش، تنقسم الصورة الكبرى إلى دائرتين واضحتين من التأثير، المحلية والقارية. فعلى المستوى الإقليمي، يشهد الواقع السياسي في ألمانيا اضطرابًا لم تشهد البلاد مثله خلال العقود الأخيرة. وقالت: "تعكس النتيجة إحباطًا عميقًا لدى مواطنين يشعرون بأن القيادة التقليدية فشلت في تقديم حلول للأزمات الاقتصادية والأمنية".

أما الدائرة الثانية فتتعلق بالتوجه السائد في عموم أوروبا. فالنجاح في صناديق الاقتراع بألمانيا ليس حالة منفردة، بل يعكس عمليات مماثلة تجري في فرنسا وهولندا والسويد وإيطاليا. وتواجه المؤسسة السياسية القديمة تحديات من كل جانب، ويثبت الناخبون مرة تلو الأخرى أنهم مستعدون لكسر القواعد القائمة.

وأكدت دويتش: "التوجه في أوروبا بأسرها هو أن اليمين المتطرف يتحدى المؤسسة كما نعرفها، وهذه النتائج في ألمانيا ترسل رسالة واضحة جدًا إلى بقية أوروبا".

ومع ذلك، يحمل المشهد السياسي في ألمانيا عبئًا تاريخيًا ثقيلًا يجعل صعود اليمين المتطرف حدثًا استثنائيًا وحساسًا بصورة خاصة. ويُنظر إلى حزب البديل من أجل ألمانيا على أنه أكثر تطرفًا حتى من نظرائه في القارة. فهو يتبنى توجهًا واضحًا مؤيدًا لروسيا، ويعارض الهجرة بشدة، ويضم في صفوفه عناصر متهمة بالفاشية. وكان رد المؤسسة في ألمانيا فرض مقاطعة كاملة على الحزب بهدف عزله. وأدت هذه المقاطعة إلى مأزق سياسي لا يرغب فيه أي حزب تقليدي في تشكيل ائتلاف مع حزب البديل من أجل ألمانيا، فيما بقي اليسار المتطرف الجهة الوحيدة المنفتحة على الحوار معه.

وتقف قضية الجالية اليهودية وعلاقة ألمانيا بإسرائيل في قلب العاصفة. وقالت دويتش: "إسرائيل والجالية اليهودية في ألمانيا تقاطعان حزب اليمين المتطرف وتعتبرانه حزبًا فاشيًا، معاديًا لليهود، معاديًا للسامية ومعاديًا لإسرائيل".

وبحسب دويتش، فإن الخطر لا يقتصر على التهديد المباشر لمؤسسات الجالية اليهودية، بل يكمن أيضًا في الشرعية المتزايدة التي يحظى بها الخطاب المتطرف في المجال العام. وقالت: "أعتقد أن الخطر يتجاوز الجالية اليهودية. إنه خطر يدفع الخطاب في ألمانيا نحو أقصى الأطراف المتطرفة، ما يسمح لبقية اللاعبين السياسيين بالخروج وقول أمور غير معقولة".

وترى أن إضفاء الشرعية على هذا الخطاب يطمس الحدود ويقوض الإجماع التاريخي في ألمانيا بشأن مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الشعب اليهودي ودولة إسرائيل، وهو إجماع جرى تثبيته أيضًا في اتفاقيات ائتلافية في الماضي.

ويدفع الوضع الجديد دولة إسرائيل إلى زاوية دبلوماسية وأخلاقية شديدة التعقيد. ويتعين على وزارة الخارجية في القدس المناورة بين الالتزام الصارم بمحاربة معاداة السامية والقوى التي تهدد الذاكرة التاريخية، وبين الحاجة العملية إلى إدارة سياسة خارجية في عالم تتغير فيه ملامح أوروبا.

واختتمت دويتش حديثها بتلخيص هذه المعضلة المعقدة التي تواجهها دولة إسرائيل الآن: "من جهة، نحن لا نتدخل داخل الدول الأوروبية، وهذه هي نتائج الانتخابات، ومن جهة أخرى لا يمكن تجاهل الواقع المقلق مع تزايد قوة اليمين المتطرف. وبينما لا يزال اليمين المتطرف مقاطعًا في ألمانيا، فقد جرى قبوله بالفعل في دول أخرى، وسيتعين على القدس قريبًا اتخاذ قرارات مصيرية بشأن هوية شركائها الشرعيين على الساحة الدولية".