
معظم الإسرائيليين، وبالتأكيد معظم الأمريكيين، لا يفهمون حركة حماس. من السهل تخيلها كمنظمة إرهابية إسلامية متطرفة أخرى، لكنها في الواقع كيان هجين يعيد تعريف نفسه باستمرار، وفق هدف استراتيجي واحد لم يتغير أبدًا: تدمير دولة إسرائيل.
حماس ليست مجرد حركة عسكرية، بل كيان سياسي، اجتماعي وديني، يتغير باستمرار حسب احتياجات النضال المستمر. يمكنها أن تتقمص أشكالًا متعددة - جمعية خيرية، حركة شعبية، منظمة إرهابية أو كيان شبيه بالدولة - دون أن تتخلى عن جوهر هدفها.
الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر غيّرت الواقع الإقليمي ونظرة حماس إلى نفسها. فهم قادة الحركة، حتى قبل قرارهم خوض الحرب، أن الوضع لن يعود كما كان، وأدركوا أنه لا صعوبة لديهم في تغيير هويتهم مجددًا وتعديل بنيتهم التنظيمية. بل على العكس، يرى العديد من قادة حماس الباقين في ذلك فرصة للتخلص من عبء الحكم المباشر في غزة - من مسؤولية المياه والكهرباء والصرف الصحي والاقتصاد - والعودة إلى هيكل تنظيمي أو سري يُعد أكثر تحررًا، ما يتيح لهم التركيز مجددًا على الجهد "المجزي" بالنسبة لهم: القتال والتسلّح.
تواجه إسرائيل والعالم الآن واقعًا واضحًا: حماس لن تختفي من غزة بمحض إرادتها. عشرات الآلاف من عناصرها، إلى جانب الدعم الشعبي الواسع في القطاع، يضمنون بقاءها، في كل سيناريو لا يتضمن انتصارًا عسكريًا إسرائيليًا ساحقًا أو هجرة جماعية لكل سكان غزة إلى الخارج.
في هذا السياق، تتبلور "المؤامرة الجديدة": محاولة لتبييض حماس من خلال دمجها مجددًا في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية أو ضمن حكومة تكنوقراط. تقارير نُشرت مؤخرًا في "العربية" و"معاريف" تؤكد أن محمود عباس ومقربيه يجرون محادثات متقدمة في رام الله لقبول حماس ضمن منظمة التحرير بشروط تهدف إلى إضفاء الشرعية على هذه الخطوة خارجيًا.
الشروط المنشورة تكشف عن مناورة دقيقة: الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967، التشديد على أن "المقاومة الشعبية" هي الطريق الحالية ولكن غير الحصرية، الالتزام بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد، والتمسك بالقانون الدولي. هذه الشروط لا تلغي حماس، بل تُضفي عليها شرعية وتمنحها مسارًا منظّمًا للعودة إلى الساحة السياسية. السؤال الحقيقي فقط بأي شكل ستظهر: حزب جديد داخل السلطة الفلسطينية، مجموعة قوة في غزة، أو كيان يستمر بملف خفي تحت غطاء سياسي.
في كل الحالات، مثل هذا السيناريو يمثل نجاحًا استراتيجيًا لحماس ويشكّل جسرًا نحو المرحلة القادمة من سيطرتها. عناصر الحركة - المقبولون شعبيًا والمسلحون وذوو الخبرة العسكرية - سيلتحقون بأي حكومة تكنوقراط كقوة تضعفها وتُخضعها. مثلما تحولت الأونروا بسرعة من هيئة إنسانية إلى ذراع فعلي لحماس، فهنا أيضًا، النتيجة معروفة مسبقًا: خلال فترة قصيرة نسبيًا، ستعود حماس لتكون القوة المهيمنة في غزة.
ولا يجوز أن نُخطئ - الكراهية بين حماس وفتح لم تختفِ. جرائم القتل وأعمال العنف عام 2007، حين ألقى عناصر حماس بمنافسيهم من أعلى الأبراج في غزة، لن تُنسى سريعًا. لكن أمام عدو مشترك أكبر - إسرائيل - يعرف الفلسطينيون كيف يتوحدون.
يكفي النظر في صفقات تبادل الأسرى الأخيرة، والتي شملت أسرى ليسوا من حماس، لفهم أنه في "قضايا الأمن القومي" (الاسم الفلسطيني الملطّف لتدمير إسرائيل)، فإنهم يصطفّون معًا. الضغط الدولي والعربي، إلى جانب حاجة الحكومة الإسرائيلية إلى "سلّم للنزول عن الشجرة"، قد يجعل هذا التوافق الداخلي ممكنًا.
النتيجة قد تكون كارثية: إسرائيل ستواجه حماس أقوى، نجت من الحرب وأعادت ترسيخ مكانتها في الساحة الفلسطينية "الشرعية". من منظور فلسطيني، هذا انتصار وطني: البقاء من أجل المعركة القادمة، الحفاظ على القوة العسكرية والسياسية، استعادة الشرعية، والحفاظ على مكانتها في العالم العربي. في الثقافة العربية-الإسلامية، الصبر له معنى شبه مقدس. إذا نجت حماس - بأي شكل - فإنها ستتعافى وتقوى. المرحلة التالية ستكون المطالبة بمراكز قوة إضافية ومحاولات السيطرة على الضفة الغربية، مستغلة مكانتها العسكرية وخبرتها الميدانية لحشد الشارع الفلسطيني.
في نهاية المطاف، أي حكومة تكنوقراط تُقام في غزة تحت ضغط إسرائيلي-أمريكي أو برعاية مصرية-قطرية-سعودية ستكون ضعيفة منذ البداية، وستصبح أداة بيد حماس التي ستعرف كيف تُضعفها من الداخل حتى تعود للسيطرة الكاملة. وهكذا، قد تخرج حماس - التي سعت إسرائيل إلى إسقاطها في حرب "السيوف الحديدية" - أقوى ومتجددة: كائن متعدد الرؤوس لا يُقتل بقطع رأس واحد، بل ينمو له رأس جديد.
الصراع ليس عسكريًا فقط، بل أيضًا إدراكي وسياسي. إذا لم تفهم إسرائيل طبيعة حماس المتغيرة، ستجد نفسها مرة أخرى في مواجهة نفس العدو، بقناع جديد، يواصل مسيرته الاستراتيجية نحو تدميرها.
الكاتب هو مستشار وباحث في شؤون الأمن