
أحداث الاقتحام في السويداء بجنوب سوريا، التي قُتل خلالها مئات من الدروز على يد قوات الجيش السوري ومسلحين بدو مدعومين من النظام، تشكل إنذارًا خطيرًا لإسرائيل. رغم تدخل الجيش الإسرائيلي عبر غارات جوية على أهداف سورية، لم يُمنع المجزرة البشعة، ونجحت القوات السورية والبدوية في التسلل إلى المدينة وارتكاب الفظائع. ورغم أن الدروز تمكنوا لاحقًا من صدّ الهجوم ويبدو أن الكفة مالت لصالحهم، خصوصًا بفضل الدعم الإسرائيلي الحازم، إلا أن الضرر قد وقع بالفعل. هذا الحدث يكشف أوجه تشابه مثيرة للقلق مع مجزرة 7 أكتوبر 2023.
هناك خطر من أن تستلهم جهات أخرى هذا النموذج وتتبناه. من الضروري استيعاب الدروس الصحيحة من الحادث وترجمتها إلى خطة عمل تضمن قدر الإمكان عدم تكرار أحداث مشابهة في جبهات أخرى.
المقال يحلل المخاطر المتزايدة لاحتمال وقوع هجمات جهادية على إسرائيل، مستفيدًا من العبر المستخلصة من أحداث السويداء. ويتناول الساحات المحتملة التي يمكن أن تشهد اشتعالًا مشابهًا — حدود لبنان، حدود سوريا، حدود الأردن، ويهودا والسامرة، وفي ظروف معينة حتى قطاع غزة — ويقدم توصيات للتعامل مع هذا الخطر.
أحداث السويداء - تشريح الفشل
في يوليو 2025 اندلعت مواجهات دامية في محافظة السويداء جنوب سوريا، التي يسكنها غالبية درزية. بدأت الاشتباكات بعد أن هاجم مسلحون بدو مدعومون من النظام السوري بقيادة أحمد الشرع (الجولاني) مواطنًا درزيًا وسرقوه وأصابوه بجروح خطيرة. وردّ الدروز باعتقال عناصر بدو، وتصاعد التوتر بسرعة إلى مواجهات مسلحة شملت عمليات خطف وقصف وإتلاف ممتلكات. ووفقًا للتقارير، قُتل أو لقي حتفهم أكثر من 1,300 شخص، بينهم أكثر من 530 درزيًا، أُعدم بعضهم بوحشية.
تدخلت إسرائيل للحد من الأضرار التي لحقت بالدروز وأرسلت رسالة للجولاني والدول الداعمة لنظامه بأنها لن تسمح بنزول قوات النظام جنوب دمشق، وستصر على إقامة منطقة منزوعة السلاح. لكن الضربات لم تمنع المجزرة، وتمكنت القوات السورية والبدوية من دخول المدينة وارتكاب الفظائع. يجب تحليل أحداث السويداء بعدة أبعاد:
الاستخبارات: من غير الواضح ما إذا كانت لدى إسرائيل معلومات استخباراتية مسبقة دقيقة حول نية الجهات الإسلامية المتطرفة مهاجمة الدروز، لكن كان لديها معلومات عامة عن نية استهدافهم، خاصة بعد المجزرة التي وقعت بحق العلويين ومحاولات متكررة لاستهداف الدروز قرب دمشق. الافتراض الخاطئ كان أن النظام السوري لن يسمح بوقوع مثل هذا الحدث لأنه كان حينها يجري مفاوضات مع إسرائيل بشأن ترتيبات أمنية.
التحليل اللاحق لصورة الاستخبارات وتفسيرها من قبل جهات التقدير في شعبة الاستخبارات العسكرية وقيادة المنطقة الشمالية مثير للقلق، ويشبه في بعض النواحي التعامل مع المعلومات الاستخباراتية التي كانت متوفرة قبل أحداث 7 أكتوبر. كانت هناك صورة استخباراتية عن احتمال قيام النظام أو حلفائه بعملية، لكن التقدير كان أنه لن يحدث شيء لوجود اتصالات ومحادثات مع النظام.
الإحباط المسبق: في غياب إنذار محدد، لم تكن هناك أيضًا جاهزية لتنفيذ عمليات إحباط في مناطق تجمع القوات الإسلامية وقوات النظام. ورغم تنفيذ ضربات على قوات النظام في طريقها جنوبًا إلى السويداء، ثم لاحقًا ضربات في قلب دمشق ومناطق أخرى، فإنها جاءت متأخرة ولم تمنع المجزرة.
العمليات: عند صدور الأوامر، بدأ الجيش الإسرائيلي بسلسلة هجمات في منطقة السويداء بهدف منع المجزرة. ورغم أن العمليات نُفذت بحزم، إلا أن المعلومات الاستخباراتية عن الأهداف (البنى التحتية والأهداف الفورية) كانت ناقصة، ولم تكن الضربات سريعة أو شاملة بما يكفي لوقف القوات السورية والبدوية. بالتوازي، كان هناك إخفاق في تأمين الحدود في الجولان، حيث تمكن مئات الدروز من إسرائيل من عبور الحدود إلى سوريا، فيما دخل دروز من قرية حضر إلى إسرائيل دون سيطرة، ما شكّل خطرًا لو كان قد تم خطف مواطنين إسرائيليين أو تسلل عناصر معادية في ظل الفوضى.
المساعدة للدروز: بعد الأحداث بدأت إسرائيل بتقديم مساعدات طبية وإنسانية للدروز، وربما وسائل دفاعية لمساعدتهم في حماية أنفسهم.
نجاح الدروز في السويداء في صدّ القوات المهاجمة، ولو بصعوبة، يظهر صلابة الطائفة وقدرتها على التنظيم السريع، لكنه لا يقلل من خطورة الفشل الإسرائيلي في منع المجزرة. الحادث يمثل جرس إنذار إضافي ضد الاعتماد على افتراضات خاطئة وعدم الاستعداد الكافي لتهديدات متطورة.
تشابه مع 7 أكتوبر - نمط متكرر وإلهام محتمل
تكشف أحداث السويداء أوجه شبه مقلقة مع هجوم حماس المفاجئ في 7 أكتوبر 2023، وقد تُلهم هذه الأحداث هجمات مستقبلية:
- تسلل سريع وفتاك: في كلا الحالتين، استخدم المهاجمون وسائل نقل سريعة وأسلحة خفيفة لاختراق الدفاعات والتوغل بسرعة، مع استخدام متعمد للوحشية والإذلال.
- افتراضات خاطئة: قبل 7 أكتوبر، كان الافتراض أن حماس مردوعة، وقبل السويداء كان الافتراض أن النظام السوري لن يهاجم الدروز.
- فشل استخباراتي: كانت هناك مؤشرات مبكرة في كلا الحدثين لم يُتعامل معها بجدية كافية.
- نجاح حماس والقوات السورية-البدوية في التوغل السريع والعمل بأسلوب لا مركزي وإلحاق أضرار جسيمة، وفشل الاستخبارات الإسرائيلية في التحذير المسبق، يثيران مخاوف من أن جهات جهادية أخرى ستتبنى هذا النموذج.
من أين قد يأتي الخطر؟
- لبنان: رغم وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، لا يزال حزب الله يحاول إعادة بناء قوته وقد يشن هجمات مباغتة.
- سوريا: أحداث السويداء أظهرت قدرة النظام السوري وحلفائه على التحرك بسرعة.
- الأردن: الحدود طويلة وغير محمية جيدًا، مع تهديد إسلامي متطرف متزايد.
- يهودا والسامرة: رغم الحواجز، يستمر الإرهاب، مع زيادة استخدام العبوات الناسفة ودور إيران في تهريب الأسلحة.
ما الذي يجب فعله؟
التوصيات تشمل: تحسين الاستخبارات، إقامة مناطق أمنية عازلة، استكمال الحواجز المتقدمة، اعتماد إجراءات هجومية مسبقة، تعديل أوامر فتح النار، تعزيز المواقع، زيادة فرق الطوارئ، بناء قدرات رد سريع، وتبني تقنيات متقدمة.
خاتمة
أحداث السويداء و7 أكتوبر تذكّر بخطورة الاعتماد على مفاهيم خاطئة وعدم الاستعداد الكافي. لتفادي أحداث مماثلة، يجب على إسرائيل تعديل استراتيجيتها الدفاعية عبر تحسين الاستخبارات، إقامة مناطق أمنية، عمليات إحباط سابقة، وقدرات رد سريع، لضمان ترجمة دروس الماضي إلى أمن محسن على حدودها.