
ترى روت فينس-فيلدمان، الخبيرة في الشؤون الأمريكية والزميلة البحثية في معهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية وطالبة الدكتوراه في جامعة تل أبيب، أن انخراط الرئيس دونالد ترامب المكثف في حملات المرشحين الجمهوريين ربما كان أحد العوامل التي أضرت بهم في الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة.
وقالت في مقابلة مع القناة السابعة إن النتائج لا تكشف فقط عن نقاط ضعف في الاستراتيجية السياسية للحزب الجمهوري، بل عن تغيرات في أنماط التصويت الأمريكية أيضا، ما يفرض على إسرائيل الاستعداد لواقع سياسي أكثر تعقيدا.
وتعتقد فينس-فيلدمان أن أحد الأخطاء الرئيسية للجمهوريين تمثل في تحويل المنافسة السياسية إلى صراع شخصي، بدلا من طرح برنامج فكري وعملي واضح أمام الجمهور.
وبحسب قولها، ركز مرشحون كثيرون على معارضة الديمقراطيين والتحذير من الاتجاه الذي يقودون إليه الولايات المتحدة، دون تقديم بديل مقنع في القضايا التي تشغل الناخبين. وقالت، "بدلا من طرح أجندة جمهورية واضحة تقدم بديلا فكريا وعمليا للأجندة الديمقراطية، اكتفى بعض المرشحين برسالة مفادها أن هويتهم بأكملها تقتصر على كونهم 'غير ديمقراطيين'".
وأضافت أن التركيز على تصوير الديمقراطيين باعتبارهم يقودون الولايات المتحدة نحو الاشتراكية، بل وحتى الشيوعية، ووصفهم بأنهم تهديد وجودي، لم يحقق هدفه. وبدلا من استقطاب ناخبين إضافيين، أبعدت هذه الرسائل، بحسب تقديرها، بعض الناخبين المترددين.
لكن الصعوبة الرئيسية التي واجهت المرشحين الجمهوريين ربما لم تنبع من طبيعة رسائلهم وحدها، بل من الحضور البارز لترامب نفسه في الحملات المحلية. وترى أن انخراط الرئيس بقوة في الولايات المتأرجحة، التي فاز بها في الانتخابات الرئاسية، حوّل التصويت المحلي إلى حد كبير إلى استفتاء على شخصه وسياساته. وتقول إن حضوره، بدلا من مساعدة المرشحين الجمهوريين، منح خصومهم حافزا للتوجه إلى صناديق الاقتراع.
وأشارت إلى استطلاع أجرته شبكة NBC يوم الانتخابات، قال فيه 43% من المستطلعين إنهم صوتوا للتعبير عن احتجاجهم على ترامب، مقابل 16% أرادوا التعبير عن دعمهم له. وقال نحو 40% إن ترامب لم يكن عاملا في قرارهم التصويتي.
وبحسب قولها، قد تشير هذه البيانات إلى أن بعض الناخبين لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع انطلاقا من تأييد راسخ للمرشحين الديمقراطيين، بل رغبة في التعبير عن معارضتهم للرئيس.
وتطرح فينس-فيلدمان أيضا احتمال أن يكون انخراط ترامب البارز قد حال دون استقطاب الجمهوريين لناخبين ديمقراطيين معتدلين، ربما كانوا سيفكرون في دعم مرشح محلي للحزب لو لم تتحول المنافسة إلى صراع يتمحور حول الرئيس.
في المقابل، ترى أن مرشحين ديمقراطيين أدركوا هذه الفرصة وعملوا على استقطاب أصوات الوسط السياسي. وتشير إلى شخصيات مثل جيمس تالاريكو في تكساس، تبنت خطابا أكثر اعتدالا وركزت على قضايا مدنية لمخاطبة المستقلين والجمهوريين المحبطين.
ومن بين النتائج التي تسعى فينس-فيلدمان إلى إبرازها ما يتعلق بأنماط تصويت الشباب والمنحدرين من أصول لاتينية. وتشير إلى دعم واسع من أبناء الجيل زد للمرشحين الديمقراطيين ومشاركة نشطة للناخبين من أصول لاتينية، لكنها تحذر من استخلاص استنتاجات بعيدة المدى.
وبحسب قولها، لا يعني ذلك أن هذه الفئات أصبحت كتلا انتخابية ديمقراطية ثابتة. وتذكر بأن الانتخابات الرئاسية عام 2024 شهدت تحولا ملحوظا لدى ناخبين من هذه الفئات باتجاه ترامب.
وتصفهم فينس-فيلدمان بأنهم، "ناخبو رد الفعل"، أي ناخبون تتغير تفضيلاتهم تبعا لشعورهم حيال غلاء المعيشة وأسعار السكن وسياسة الهجرة.
وبالنسبة إلى الجمهوريين، ترى في ذلك تحذيرا قبيل انتخابات 2028، لكنها تؤكد أن هوية المرشحين الذين سيقدمهم الحزبان ستكون عاملا حاسما. وتقدر أن المنافسة ستركز على الناخبين المعتدلين الذين ينفرون من الشخصيات التي يرونها متطرفة في كلا المعسكرين.
وترى أن تداعيات نتائج الانتخابات تتجاوز بكثير الصراع الداخلي بين الجمهوريين والديمقراطيين. وتربط بين الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة والانقسامات الداخلية في إسرائيل، محذرة من أن هذا الوضع يخدم أعداء الدولتين، وفي مقدمتهم إيران.
وبحسب قولها، يتابع النظام في طهران الخلافات الداخلية في واشنطن والقدس، ويرى فيها فرصة لإضعاف التعاون الاستراتيجي بين البلدين. وتقول إن المرحلة التي تواجه فيها إسرائيل والولايات المتحدة توترات داخلية تستدعي تحديدا اهتماما خاصا بالحفاظ على العلاقات الاستراتيجية بينهما.
وفي هذا السياق، تدعو أيضا إلى التمييز بين معارضة الرأي العام الأمريكي لانخراط عسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط، وبين المعارضة المبدئية لأي تحرك ضد إيران.
وأوضحت، "جزء من الانتقادات الأمريكية للانخراط العسكري في المنطقة"، وأضافت، "ينبع من عدم الرضا عن طريقة إدارة المعركة، وطول أمدها، والشعور بعدم تحقيق حسم واضح. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المنتقدين يعارضون أي عمل عسكري ضد النظام الإيراني".
وحذرت من نزعة إسرائيلية إلى تفسير كل نتيجة انتخابية في الولايات المتحدة من زاوية الموقف من دعم إسرائيل. وأكدت، "يجب ألا تفسر إسرائيل النتائج في الولايات المتحدة بصورة تبسيطية، أو تراها مجرد 'تصويت مع إسرائيل أو ضدها'"، وأضافت، "الأمر يتعلق بمراجعة نقدية أجراها الجمهور الأمريكي في علاقته بقادته".
وترى أن الدرس بالنسبة إلى الجمهوريين هو أن الولاء للزعيم أو تصوير الخصم السياسي بوصفه تهديدا لا يكفيان لبناء استراتيجية طويلة الأمد. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فيتعلق الدرس بضرورة الحفاظ على العلاقات مع واشنطن، بغض النظر عن هوية الرئيس أو تركيبة الكونغرس. وقالت، "يجب أن يبقى التحالف الاستراتيجي مع واشنطن فوق الخلاف السياسي".
وتعتقد فينس-فيلدمان أن على إسرائيل أن تأخذ في الحسبان أيضا التغيرات التي يشهدها النظام السياسي الأمريكي استعدادا لمرحلة ما بعد ترامب. وبحسب قولها، تنظر الولايات المتحدة بالفعل إلى المستقبل، وقد تجد إسرائيل نفسها لاحقا أمام مجلسي كونغرس أكثر انتقادا لسياساتها.
وأعربت أيضا عن قلقها إزاء التغيرات في تركيبة القيادة الأمريكية وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي على الخطاب السياسي. وتقول إن بعض السياسيين الجدد يظهرون معرفة محدودة بتعقيدات الشرق الأوسط، ويتبنون رسائل تبسيطية تنتشر عبر هذه الشبكات.
وفي هذا السياق، تطرقت أيضا إلى دخول مرشحين مسلمين إلى الساحة السياسية، بينهم من يتبنون أفكارا مرتبطة بحركة الإخوان المسلمين. وترى أن بعض الناخبين الذين دعموا هؤلاء المرشحين لا يدركون كامل الدلالات الأيديولوجية التي تنسبها إلى مواقفهم.
وتقول إنه لا مبرر لإسرائيل لبناء سياسة طويلة الأمد على احتمال أن يعود البندول السياسي في الولايات المتحدة إلى اتجاه معين. وبحسب قولها، ينبغي لإسرائيل أن تعمل منذ الآن على تعزيز قدراتها الذاتية، في المجالين الأمني والاقتصادي، وأن توسع في الوقت نفسه نطاق شراكاتها الاستراتيجية حول العالم، دون المساس بشراكتها القائمة مع الولايات المتحدة.
وقالت فينس-فيلدمان، "على الساحة الدولية والاستراتيجية، يجب أن تتعلم إسرائيل الاعتماد على نفسها أولا، وأن تعمل على تعزيز استقلالها الأمني والاقتصادي، وأن تنوع نطاق تحالفاتها الاستراتيجية. الاستقطاب الداخلي هو أكبر نقاط ضعفنا وضعف الغرب، وأكبر فرصة لإيران".