
كانت الصرخات والأصوات غير المعتادة المنبعثة من قمرة القيادة أول إشارة إلى أن أمراً خطيراً يحدث على متن رحلة «فلاي دبي». وفي غضون دقائق، تحولت الشكوك إلى مواجهة عنيفة: أُصيب أحد الطيارين بطعنات، وبدأت الطائرة تهوي بسرعة، فيما هبّ ثلاثة من الركاب للمساعدة في السيطرة على الطيار المهاجم.
تسفيكا مانس، المدير العام لشركة «باراك لئومي» للاكتتاب التابعة لبنك لئومي، وأحد الركاب الذين شاركوا في السيطرة على الطيار، كشف تفاصيل اللحظات العصيبة، بما في ذلك الطريقة التي لجأ إليها الركاب في نهاية المطاف لتقييده: أسلاك سماعات نظام الترفيه التي وُزعت على متن الطائرة.
بدأت المؤشرات الأولى عندما رافقت زوجة مانس ابنتهما الصغيرة إلى دورة المياه القريبة من قمرة القيادة.
وقال مانس: «كانت ابنتي الصغيرة في دورة المياه، ورافقتها زوجتي، فسمعت صراخاً وأصواتاً غريبة قادمة من قمرة القيادة».
وأبلغت زوجته أحد أفراد الطاقم الموجود خارج القمرة بأن شيئاً غير طبيعي يجري في الداخل. وعندما فُتح الباب، اتضحت خطورة ما كان يحدث.
وقال مانس: «فتح الباب وبدأ صراعاً مع المهاجم. قفزنا فوراً وأخرجناه إلى الخارج». وبعد ذلك دخل طيار إلى قمرة القيادة، قبل أن ينضم طيار آخر لاحقاً.
وفي الوقت الذي كان فيه الصراع مستمراً، بدأت الطائرة نفسها تفقد استقرارها. ووصف مانس مشاهد من الدماء والصراخ والهبوط السريع، بينما كان الركاب يحاولون السيطرة على الموقف.
وقال: «فقدنا الزوايا، وكان يحاول فعلاً توجيه الطائرة نحو الأرض. كان الناس يتطايرون وسط الصراخ».
وبعد إخراج المهاجم من قمرة القيادة، بدأت مرحلة أخرى من المواجهة: محاولة السيطرة عليه جسدياً ومنعه من العودة إلى القمرة. وبحسب مانس، تطلب الأمر استخدام قوة جسدية كبيرة.
وأضاف: «في النهاية قيّدناه وسيطرنا عليه. تطلب الأمر قدراً كبيراً من القوة الجسدية. إنه رجل قوي، وربما كان تحت تأثير الأدرينالين».
ومع عدم توفر وسائل تقييد مخصصة، استخدم الركاب ما كان في متناول أيديهم. وقال مانس إنهم لجأوا إلى أسلاك سماعات الرأس الخاصة بنظام الترفيه على متن الطائرة وربطوا الطيار بها.
وفي الوقت نفسه، انصب الاهتمام على الطيار الذي تعرض للطعن. وبحسب مانس، كان بين الركاب طبيب وممرضة قدما له العلاج وساعدا في تثبيت حالته.
وقال: «طبيب وممرضة كانا على متن الرحلة عملا على تثبيت حالة الطيار، الذي تعرض للطعن في أنحاء جسده».
وأوضح مانس أن فتح الطيار المصاب لباب قمرة القيادة كان لحظة حاسمة، إذ أتاح للركاب التدخل والمساعدة في السيطرة على المهاجم. وبعد ذلك تولى طاقم جوي إضافي كان موجوداً على متن الطائرة السيطرة عليها وتمكن من تثبيت مسارها.
وفي رواية أخرى للحظات الأولى، وصف مانس كيف نبهت زوجته فرد الطاقم الموجود خارج القمرة.
وقال: «فجأة سمعت صراخاً وضجيجاً من قمرة القيادة. قالت للطيار الذي كان في الخارج: هناك شيء يحدث، ادخل، ادخل».
وما إن فُتح الباب حتى تحرك ثلاثة من الركاب.
وأضاف مانس: «فتح الباب، وعندها قفزنا نحن الثلاثة. سيطرنا عليه، على المهاجم، وساعد طبيب الطيار الرئيسي وعمل على تثبيت حالته».
وبعد ذلك دخل طيار آخر وتولى قيادة الطائرة، فيما واصل مانس وراكبان آخران السيطرة على المهاجم.
وقال مانس واصفاً ما جرى: «أنا مغطى بالدماء. كان الأمر جنونياً».
وبحسب روايته، فإن الطيار الاحتياطي الذي تدخل للمساعدة هو مواطن من جزر فيجي، فيما كان الطيار المصاب هندياً، والطيار المتهم بتنفيذ عملية الطعن عُمانياً.
كما وثق ركاب آخرون اللحظات التي أعقبت السيطرة على المهاجم في مقاطع فيديو نُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي. وفي أحد المقاطع، ظهر أحد الإسرائيليين الذين شاركوا في عملية السيطرة والدماء على وجهه، بينما كانت الطائرة تستعد للهبوط في تبوك بالسعودية.
وقال في التسجيل: «نحن الآن في خضم عملية اختطاف طائرة. في هذه اللحظة سيطرنا على المهاجمين، ونحن على وشك الهبوط. كل من يسمعني، نحن بحاجة إلى مساعدة. سنهبط في تبوك، على ما يبدو في منطقة بالسعودية، منطقة غير مألوفة وغير معروفة. جميع من في الطائرة بخير وسلامة باستثناء الطيار. نحن بحاجة إلى مساعدة».
وروى راكب آخر ما حدث في تسجيل منفصل، قائلاً إن شخصاً كان يحمل سكيناً طعن أحد الطيارين، قبل أن يتدخل عدد من الركاب ويخرجوه من قمرة القيادة.
وقال: «قفزنا ببساطة وأخرجناه من قمرة القيادة، عدد منا. كل شيء على ما يرام الآن»، مضيفاً أن المهاجم أصبح تحت السيطرة وأن أفراداً من الطاقم كانوا داخل قمرة القيادة.
وفي وقت لاحق، تطرق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الحادث، وقال إنه تحدث مع أحد الركاب الإسرائيليين الذين كانوا على متن الطائرة.
وبحسب نتنياهو، فإن أحد الطيارين طعن الطيار الآخر و«حاول على ما يبدو إسقاط الطائرة بمن فيها».
وقال نتنياهو: «تحدثت مع أحد الركاب الإسرائيليين. أخبرني أن الطائرة دخلت في دوران وبدأت تهوي. وقال لي إنه، بطريقة أو بأخرى، تمكن من اقتحام قمرة القيادة مع أحد أفراد الطاقم، وتمكنا معاً من السيطرة على الطيار الذي نفذ عملية الطعن بينما كان يحاول تخريب أنظمة الطائرة».
وأضاف نتنياهو أن طاقماً جوياً إضافياً كان موجوداً على متن الطائرة دخل إلى قمرة القيادة وتمكن من تثبيت الطائرة.
وقال: «أحيي هؤلاء الأبطال الذين أظهروا رباطة جأش وشجاعة استثنائية. لقد أنقذوا أرواحاً كثيرة ومنعوا كارثة كبيرة».
وأضاف رئيس الوزراء أن الطيار المتهم بتنفيذ عملية الطعن اعتُقل ويخضع للتحقيق من قبل السلطات السعودية، مشيراً إلى أن إسرائيل على اتصال متواصل مع الجهات المعنية لضمان سلامة الركاب وعودتهم إلى البلاد.
من جهته، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الحادث بأنه «محاولة لتنفيذ هجوم جهادي». وقال إن المعلومات الأولية المتوفرة تشير إلى أن نية المهاجم كانت إسقاط الطائرة بمن فيها، مضيفاً أن إحباط الحادث تم بفضل تدخل الركاب الإسرائيليين الذين ساعدوا في السيطرة عليه وإعادة التحكم بالطائرة إلى طاقم آخر كان موجوداً على متنها.
لكن الهبوط الاضطراري لم ينهِ حالة القلق لدى الركاب. فقد أعرب بعضهم عن مخاوف من الصعود مجدداً إلى طائرة تابعة لـ«فلاي دبي» في رحلة العودة إلى إسرائيل.
وقال مانس إن هذه المخاوف مفهومة بعد التجربة التي عاشوها.
وأضاف: «من الطبيعي أن يخشى الناس السفر مع الشركة نفسها بعدما مروا بتجربة صادمة إلى هذا الحد».
وأوضح أن الركاب تحدثوا مع جهات أمنية إسرائيلية عملت على طمأنتهم، مشيراً إلى أنه تحقق بنفسه من هوية طياري الرحلة البديلة، وعلم أن أحدهما أسترالي والآخر أوكراني.
وبالنسبة إلى مانس، الذي كان يسافر برفقة زوجته وابنتيه الصغيرتين، لم تكن تلك مجرد حالة طوارئ جوية، بل تجربة عائلية قاسية.
وقال: «هذا حدث صادم بكل المقاييس. أنا هنا مع عائلتي، مع طفلتين صغيرتين. إنها تجربة مؤلمة للجميع».
وهكذا، فإن ما بدأ بأصوات صراخ خلف باب قمرة قيادة مغلق تحول خلال دقائق إلى صراع للسيطرة على الطائرة: طيار مصاب، وطائرة تهوي، وركاب يندفعون للتدخل، ومواجهة جسدية للسيطرة على المهاجم.
وفي قلب تلك الفوضى، استخدم الركاب ما كان متاحاً أمامهم. أسلاك السماعات التي وُزعت لاستخدامها خلال الرحلة تحولت إلى وسيلة تقييد مؤقتة، ساعدتهم، بحسب رواية مانس، في إبقاء الطيار تحت السيطرة حتى استعاد الطاقم التحكم بالطائرة.