
تشهد الساحة الفلسطينية تقاربًا كان من الصعب تصوره قبل سنوات قليلة: محمد دحلان، الذي ارتبط اسمه طويلًا بالصراع الحاد مع حركة حماس في قطاع غزة، بات أقرب إلى الحركة التي كانت واحدة من أبرز خصومه.
التطور يحظى باهتمام واسع في وسائل إعلام عربية، خصوصًا في ظل المكانة التي شغلها دحلان على مدى سنوات داخل حركة فتح والأجهزة الأمنية الفلسطينية. فقد تولى قيادة جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة، قبل أن يدخل في صراع مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبو مازن» ويتحول إلى أحد أبرز خصومه.
وفي شبابه، اعتقل دحلان عدة مرات من قبل إسرائيل وسُجن على خلفية نشاطه في إطار حركة فتح. وفي مرحلة لاحقة، ومع توليه قيادة الأمن الوقائي في غزة، أصبح اسمه مرتبطًا بالمواجهة العنيفة مع حماس.
وعلى مدار سنوات، وثقت منظمات حقوقية اتهامات خطيرة بشأن ممارسات الأجهزة الأمنية الفلسطينية خلال الفترة التي كان فيها دحلان أحد أبرز رجال الأمن في القطاع، شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والعنف.
كما يتضمن ماضي دحلان في المواجهة مع إسرائيل اتهامات خطيرة بالتورط في أعمال إرهابية. وخلال الانتفاضة الثانية، نسبت جهات أمنية إسرائيلية إليه وإلى عناصر جهاز الأمن الوقائي الذي كان يقوده الضلوع في سلسلة هجمات داخل قطاع غزة.
وكان أبرزها تفجير عبوة ناسفة استهدفت حافلة أطفال كفار داروم في نوفمبر 2000، وأسفر عن مقتل ميري أميتاي، وهي معلمة وأم لأربعة أطفال تبلغ من العمر 35 عامًا، وغابريئيل «غابي» بيتون، البالغ من العمر 34 عامًا والأب لستة أطفال، إضافة إلى إصابة تسعة إسرائيليين، بينهم أطفال من عائلة كوهين.
وحمل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك شاؤول موفاز دحلان مسؤولية الهجوم. وفي عام 2019، قضت محكمة إسرائيلية، في إطار دعوى مدنية، بمسؤوليته عن الهجوم وألزمته بدفع تعويضات بعشرات ملايين الشواكل. كما ربطت جهات إسرائيلية اسمه وعناصر جهازه بهجمات أخرى وقعت في قطاع غزة خلال الانتفاضة، بينها عمليات إطلاق نار وزرع عبوات ناسفة ضد إسرائيليين.
ورغم هذا التاريخ من المواجهة، تبدو الحسابات السياسية الفلسطينية اليوم مختلفة.
ففي أغسطس الماضي، عُقد في القاهرة لقاء بين وفد من حماس برئاسة خليل الحية ووفد يمثل التيار المحسوب على دحلان. وناقش الطرفان مستقبل الساحة الفلسطينية والأوضاع في قطاع غزة، بالتزامن مع تقارير تحدثت عن احتمال توسيع نطاق التعاون السياسي بين معسكر دحلان وحماس وحركة الجهاد الإسلامي.
ووفق تقارير حديثة لوكالتي «أسوشيتد برس» و«رويترز»، تدرس حماس إطارًا سياسيًا يمكن أن تواجه من خلاله حركة فتح، فيما يظهر أن رجال دحلان جزء من المشهد الذي يجري بحثه.
ومجرد طرح هذا الاحتمال يعكس حجم التحول في العلاقات بين القوى الفلسطينية؛ إذ بات خصوم تاريخيون مستعدين لتجاوز جزء من خلافاتهم في ظل وجود خصم سياسي مشترك يتمثل في القيادة الحالية لحركة فتح.
وبالنسبة لحماس، يحمل دحلان مجموعة من المزايا السياسية. فهو قادم من داخل فتح ويعرف منظومتها جيدًا، ويتمتع بشبكة واسعة من العلاقات في العالم العربي وعلى الساحة الدولية، كما عمل خلال السنوات الماضية على بناء قاعدة سياسية واقتصادية مستقلة.
أما بالنسبة لدحلان، فقد يمنحه التقارب مع حماس مسارًا للعودة إلى قلب المشهد الفلسطيني، بعد سنوات ابتعد خلالها عن مراكز القوة في فتح والسلطة الفلسطينية.
وهنا تبرز حساسية هذه التطورات بالنسبة إلى محمود عباس. فالسلطة الفلسطينية تواجه منذ سنوات ملف الخلافة والصراعات الداخلية في فتح، إلى جانب أزمة ثقة عميقة لدى الجمهور الفلسطيني. ودحلان، الذي يعرف المنظومة من الداخل، يعد من الشخصيات القادرة على التأثير فيها من خارجها.
وإذا تمكنت حماس والجهاد الإسلامي ومعسكر دحلان بالفعل من إنشاء إطار سياسي مشترك أو حتى تنسيق تحركاتها، فقد تواجه فتح تحديًا مختلفًا عن الصراع التقليدي الذي عرفته الساحة الفلسطينية طوال السنوات الماضية.
فالمشهد لن يقتصر حينها على المنافسة المعروفة بين فتح وحماس، بل قد يتحول إلى محاولة لجمع قوى ذات خلفيات مختلفة حول هدف مشترك يتمثل في تغيير ميزان القوى القائم.
بالنسبة للسلطة الفلسطينية، قد يحمل مثل هذا السيناريو تحديًا سياسيًا كبيرًا. فقد استفادت قيادة فتح لسنوات من تشتت خصومها بين حماس من جهة، ودحلان وأنصاره من جهة أخرى، إلى جانب قوى إضافية تتنافس فيما بينها. وتقارب هذه المعسكرات من شأنه أن يجعل الصراع على قيادة الساحة الفلسطينية أكثر تعقيدًا.
كما تحمل التطورات أبعادًا بالنسبة إلى إسرائيل، خصوصًا في ما يتعلق بالتصورات المرتبطة بمرحلة ما بعد محمود عباس. فعلى مدى سنوات، تعاملت إسرائيل مع السلطة الفلسطينية وفتح باعتبارهما طرفًا مركزيًا داخل المنظومة الفلسطينية، مقابل حماس بوصفها الخصم الرئيسي خارجها. أما التحالفات الجديدة المحتملة بين شخصيات خرجت من فتح وحماس، فقد تجعل هذه الحدود أقل وضوحًا.
فدحلان شخصية معروفة لدى إسرائيل ولدى دول عربية مركزية، ونُسبت إليه على مدى سنوات شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية. وفي المقابل، فإن تعاونه السياسي مع حماس والجهاد الإسلامي قد يغير طبيعة التعامل معه ومع التيار الذي يقوده.
ورغم ذلك، لا تعني الاتصالات الحالية بالضرورة أن العداء التاريخي بين دحلان وحماس انتهى، كما لا توجد حتى الآن ضمانات بأن التقارب سيتحول إلى تحالف مستقر وطويل الأمد.
لكن استعداد الخصمين السابقين للجلوس معًا وبحث إمكانات التعاون يكشف حجم التحولات الجارية في الساحة الفلسطينية، في وقت يزداد فيه الصراع على شكل القيادة المقبلة وعلى موازين القوى في مرحلة ما بعد محمود عباس.