Dr. Salem Al Ketbi
Dr. Salem Al KetbiCourtesy:

الدكتور سالم الكتبي محلل سياسي إماراتي.

هناك طريقتان لقراءة ما يجري اليوم حول مضيق هرمز. الأولى مألوفة: المضيق نقطة اختناق حيوية كان يمر عبرها، قبل الحرب، نحو خُمس نفط العالم وغازه المسال، والتوترات تجعل هذا الممر الضيق عرضة لارتفاع تكاليف التأمين واضطراب حركة ناقلات النفط. أما القراءة الثانية، وهي الأكثر أهمية على المدى الطويل، فتتمثل في صدام بين منطقين استراتيجيين متعارضين.

من جهة، هناك منطق إيراني يستثمر في قدرة التهديد التي يمنحها الموقع الجغرافي، ويسعى إلى تعظيم مردودها السياسي. ومن جهة أخرى، هناك منطق خليجي يعمل بهدوء منذ سنوات على تجريد هذا الموقع من قيمته الابتزازية، عبر إعادة توزيع تدفقات التجارة والطاقة على شبكة أوسع من البدائل.

في هذه القراءة الثانية، لا يتمثل السؤال الحقيقي في كيفية حماية الملاحة داخل المضيق بقدر ما يتمثل في ما إذا كان هرمز سيبقى نقطة اختناق تمنح طهران ورقة ضغط بنيوية، أم سيتحول إلى ممر مائي يظل مهماً، لكنه يتوقف عن كونه حاسماً في معادلة التجارة الإقليمية.

تكشف تصريحات محمد باقر قاليباف الأخيرة المعضلة الإيرانية من داخلها. فرئيس البرلمان، الذي ألمح في ذروة التصعيد إلى أن المضيق لن يبقى مفتوحاً إذا استمر الحصار، بات يتحدث الآن بلغة مختلفة. فهو يطرح ما يسميه "الحق السيادي" لإيران بصفتها دولة ساحلية، ويدعو إلى تحصيل رسوم مقابل الخدمات المقدمة للسفن العابرة، ثم يقر بأن هرمز لن يعود أبداً إلى ما كان عليه.

وفي هذه المواقف المتغيرة تكمن مفارقة واضحة لطهران: قيمة المضيق لإيران مشروطة باستمرار الآخرين في المرور عبره. فإذا دفعت الرسوم والتهديدات دول الخليج إلى تسريع مشاريعها الرامية إلى تقليص الاعتماد على المضيق، فقد تتبخر الورقة نفسها.

على الضفة المقابلة، يبرز سلوك الإمارات خصوصاً بوصفه نموذجاً لاستجابة استراتيجية طويلة الأمد، لا مجرد إدارة ظرفية للمخاطر. فقد أعلن ثاني الزيودي، وزير دولة للتجارة الخارجية في الإمارات، أن بلاده تتجه نحو اعتماد بنسبة صفر في المئة على مضيق هرمز، سواء كان الممر المائي مفتوحاً أم مغلقاً.

هذه اللغة تتجاوز خطاب التنويع المعتاد إلى إعلان مبدأ يقوم على جعل خطوط التجارة والطاقة مستقلة عن إرادة الآخرين. وهي تعكس فهماً خليجياً متقدماً لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي في المجالين البحري واللوجستي.

ولا يعني مفهوم "الاعتماد الصفري" هنا التخلي عن المضيق بين ليلة وضحاها، بل بناء بنية تحتية ومرونة لوجستية تجعل المرور عبره خياراً لا قيداً. والفارق هائل بين دولة تملك خيار تجاوز المضيق، ودولة يبقى هذا الممر بالنسبة إليها الطريق الإجباري الوحيد، أياً كانت كلفته السياسية والأمنية.

وقد تُرجم هذا المبدأ سريعاً إلى خطوات عملية على الساحل الشرقي للإمارات. فقد أثبت خط أنابيب حبشان-الفجيرة القائم، بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يومياً، خلال أشهر اضطراب الملاحة، أنه شريان حياة حقيقياً لصادرات النفط الخام بعيداً عن هرمز.

وفي مايو الماضي، أعلنت أبوظبي تسريع تنفيذ خط أنابيب ثانٍ، "غرب-شرق 1"، يُتوقع أن يبدأ العمل عام 2027، بما يضاعف قدرة شركة أدنوك على التصدير عبر ميناء الفجيرة. وإلى جانب ذلك، تُدرس خيارات لإنشاء خطوط إضافية لنقل المنتجات المكررة والبتروكيماويات عبر المنافذ نفسها.

ويتزامن كل ذلك مع توسيع موانئ دبا والفجيرة وخورفكان، ودراسة إنشاء ميناء جديد على ساحل خليج عمان، وربط هذه المراكز بشبكات السكك الحديدية والطرق داخل الدولة. وبذلك، لا يجري بناء خط أنابيب واحد فحسب، بل تُنشأ بوابة بحرية كاملة خارج نقطة الاختناق المحتملة في المضيق، لتحويل حصة متزايدة من صادرات الطاقة والتجارة بعيداً عن خط التهديد المباشر.

أما الكلفة المالية فلم تُحسم بعد. ويؤكد مسؤولون إماراتيون أن المشاريع لا تزال في مرحلة دراسات الجدوى، وستحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات. غير أن تبرير هذا الإنفاق يصبح أسهل في كل مرة تلوح فيها طهران بإغلاق المضيق أو تعطيله أو فرض ترتيبات مقيدة للعبور.

ولا يقتصر البعد الأوسع لاستراتيجية الاستقلال هذه على الهندسة والخدمات اللوجستية، بل يتعلق بإعادة تشكيل شبكة المصالح الإقليمية. فعندما ترتبط منافذ الساحل الشرقي بممرات برية إقليمية قيد التطوير، تمتد عبر العراق نحو تركيا وبلاد الشام، وبمشاريع موانئ يشارك فيها شركاء إقليميون، لا يعود الأمر مجرد "بديل إماراتي"، بل يصبح بناء كتلة مصالح تلتقي حول هدف واحد: تقليص مركزية هرمز في منظومة التجارة والطاقة.

وعندها يتحول مشروع فك الارتباط من خيار دفاعي وطني إلى بنية إقليمية مشتركة، يصبح تعطيلها أكثر كلفة سياسياً واقتصادياً على عدد أكبر من الأطراف. ويغدو أمن التدفقات عبر البدائل الجديدة مسؤولية جماعية، لا عبئاً تتحمله دولة واحدة وحدها.

ومع ذلك، تحتفظ الصورة بقيودها الموضوعية. فمشروع تقليص الاعتماد على مضيق هرمز لا يتعلق بالاستغناء عنه بين ليلة وضحاها، بقدر ما يتعلق ببناء شبكة متكاملة من الموانئ وخطوط الأنابيب والطرق والسكك الحديدية، تجعل استمرارية التجارة والصادرات أقل ارتباطاً بمسار واحد.

وفي هذا الإطار، سيبقى ميناء جبل علي أحد أهم المراكز التجارية في العالم. غير أن دوره سيتعزز من خلال دمجه في منظومة لوجستية وطنية أكثر تنوعاً ومرونة، تربط موانئ الساحلين الشرقي والغربي، وتوفر مسارات متعددة لحركة البضائع والطاقة، بما يقلص تدريجياً أثر أي اضطراب محتمل في الملاحة عبر مضيق هرمز.

ولهذا تواصل الإمارات الدعوة إلى إبقاء المضيق مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، بينما ترفض في الوقت نفسه أي محاولة لفرض رسوم عبور أو تحويله إلى أداة للاستخراج السياسي أو الاقتصادي.

وفي الخلفية، تجعل العقيدة البحرية الإيرانية من هرمز محوراً لانتشار الحرس الثوري الإيراني، واستغلال الجزر المطلة على الممر المائي، وبناء شبكة من القواعد الساحلية والزوارق السريعة والألغام البحرية. والهدف هو تحويل المضيق إلى منطقة ردع كثيفة يمكن تفعيلها عند الحاجة. وكان من المفترض أن يرفع هذا الاستثمار في أدوات السيطرة والتعطيل كلفة أي محاولة لتجاوز المضيق أو تحييده.

لكن إيران تواجه اليوم معضلة جديدة: فكل دولار يُنفق على تعظيم القدرة على تهديد المضيق، يقابله على الضفة الأخرى دولار يُنفق على تقليص قيمته الاستراتيجية، من خلال خطوط أنابيب وموانئ وشبكات ربط تظهر تدريجياً خارج نطاقها المباشر.

وهنا تكتمل المفارقة: كل تهديد إيراني جديد ضد المضيق، وكل إشارة إلى فرض رسوم أو قيود أو تعطيل، تسرع الاستثمار في تجاوزه؛ فالسلاح يستهلك نفسه عند استخدامه.

وعندما تصل مشاريع التنويع الخليجية إلى مستوى كاف من النضج، يتحول هرمز من أصل يرفع كلفة الضغط على إيران إلى نقطة تعرض بالنسبة إلى إيران نفسها، ما دامت صادراتها ووارداتها أكثر ارتباطاً به من صادرات وواردات جيرانها.

إن ما يحدث اليوم لا يتعلق بإلغاء الأهمية المادية للمضيق، بقدر ما يتعلق بتطبيق سياسة إفقار جيوسياسي تدريجي له، عبر تقليص قابليته للتحول إلى أداة ابتزاز أحادية.

ويُقاس نجاح هذه السياسة، في نهاية المطاف، بقدرة المنطقة على الانتقال من التمركز حول نقطة اختناق واحدة إلى شبكة مرنة متعددة المسارات. وهو تحول يخفض مع مرور الوقت المردود الاستراتيجي للتهديد نفسه، ويفرض على العقيدة البحرية الإيرانية إعادة حساباتها في بيئة لا يعود فيها هرمز الورقة الوحيدة، وبالتأكيد ليس الورقة الأثقل.