نفذت أوكرانيا الليلة الماضية الأربعاء هجوماً واسعاً بالطائرات المسيّرة داخل الأراضي الروسية، أصاب من بين أهدافه سانت بطرسبورغ، ثاني أكبر مدينة في البلاد ومسقط رأس الرئيس فلاديمير بوتين.
واستهدف الهجوم محطة لتصدير النفط ومنشأة عسكرية قرب المدينة، ووردت صباحاً تقارير عن تصاعد دخان كثيف فوق أجزاء مختلفة من المدينة، إلى جانب سماع انفجارات قوية.
وأكد رئيس أوكرانيا، فولوديمير زيلينسكي، أن القوات الأوكرانية هي التي وقفت وراء استهداف منشأة الوقود والموقع العسكري.
ويُعد توقيت الهجوم حساساً بشكل خاص بالنسبة إلى الكرملين، إذ وقع قبل ساعات قليلة من افتتاح منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، الذي يُعرف أحياناً باسم "دافوس بوتين". ويهدف المنتدى إلى عرض روسيا كقوة اقتصادية مستقرة وجذب استثمارات أجنبية، ومن المتوقع، في خطوة غير معتادة وللمرة الأولى منذ عام 2018، أن يشارك ممثل رسمي عن الإدارة الأمريكية في الحدث.
وعقب الأحداث، اضطر مطار بولكوفو في المدينة إلى فرض قيود مؤقتة على نشاطه، وتأخرت أو أُلغيت أكثر من 30 رحلة. وقال رئيس بلدية سانت بطرسبورغ إن عدة مواقع بنى تحتية في ثلاثة أحياء مختلفة في المدينة تضررت خلال الهجوم.

وفي الوقت نفسه، أعلن حاكم مقاطعة لينينغراد أن منظومات الدفاع الجوي الروسية اعترضت خلال الليل 59 طائرة مسيّرة، وبالمجمل أعلنت روسيا أنها اعترضت الليلة الماضية 354 طائرة مسيّرة أوكرانية في أنحاء البلاد. ويأتي الهجوم الحالي في وقت تدخل فيه الحرب، المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، مرحلة تصعيد جديدة توسع فيها أوكرانيا كثيراً هجماتها، بينما تجد روسيا صعوبة في تحقيق أهدافها.
وبحسب تقرير في "واشنطن بوست"، يقدر مسؤولون روس وأوروبيون أن الهجوم الأوكراني هو جزء من اتجاه أوسع لتآكل التفوق الروسي، مع تباطؤ تقدم الجيش الروسي في الجبهة، وتقلص الموارد الاقتصادية للدولة، واتساع الهجمات في عمق الأراضي الروسية.
وتتسبب هذه الهجمات بتعطيلات واسعة في طرق الإمداد اللوجستية، وخصوصاً في الممر البري الذي يربط بين روسيا وشبه جزيرة القرم والمناطق المحتلة في جنوب أوكرانيا. وحتى محللون محسوبون على الكرملين أفادوا بأنه بسبب الضربات المتواصلة اضطرت السلطات في القرم إلى تقييد إمدادات الوقود، وسُجل في نهاية الأسبوع نقص واسع في البنزين في المنطقة.
وإلى جانب الضغط العسكري، تواجه روسيا صعوبات اقتصادية متزايدة، وحذر وزير المالية الروسي، أنطون سيلوانوف، من أن الحكومة تستعد لاقتطاعات كبيرة في كل مجالات الميزانية تقريباً باستثناء الأمن والرفاه. وأشار سيلوانوف إلى أن احتياطيات الدولة ليست غير محدودة، وأن الاستثمار في الحرب تجاوز كثيراً التقديرات الأولية.
وفي الوقت نفسه، خلص مقال نشره الأكاديمي الروسي فاسيلي كاشين في إحدى أبرز المجلات الروسية المعنية بالسياسة الخارجية إلى أن أهداف الحرب التي وضعها بوتين، وفي مقدمتها السيطرة على إقليم دونباس، لم تعد قابلة للتحقق بسبب الدعم الغربي المستمر لأوكرانيا وقدرة كييف على تجنيد قوات.
ويقدر مسؤولون أوروبيون أن الكرملين يحاول، عبر التهديدات والتصعيد، مثل تأجيج غير مباشر للتهديدات بمهاجمة دول البلطيق الأعضاء في الناتو، خلق ضغط يؤدي إلى استئناف المفاوضات بشروط مريحة لموسكو. ومع ذلك، يشير هؤلاء المسؤولون إلى أن الوضع على الأرض يدل على اتجاه معاكس يتمثل في تآكل التفوق الروسي وتوسيع أوكرانيا لساحة القتال. وخلال الأشهر الأخيرة، برز أيضاً اتجاه جديد على الأرض، تنجح فيه أوكرانيا في تحرير أراض محتلة أكثر من الأراضي الإضافية التي تتمكن روسيا من السيطرة عليها.