
تطرق الدكتور يوسي بيلين، الوزير السابق في حكومات إسرائيل وأحد مهندسي اتفاقات أوسلو، في مقابلة مع القناة 7 الإسرائيلية، إلى الموقف الذي عرضه الصحفي والمؤرخ حغاي هوبرمان بشأن اتفاقات أوسلو، باعتبارها تمنح إسرائيل القدرة على بناء بلدات وهدم بناء غير قانوني في المناطق التي بيدها، وتحيّد ادعاء الاحتلال بمجرد وجود برلمان فلسطيني في رام الله.
وادعى هوبرمان أنه إذا جرى فصل الاتفاق عن تفسيراته وفحصه فقط وفق ما ورد فيه، فيمكن تحويله إلى اتفاق دائم.
وقال بيلين: "هذا ما خشيه الفلسطينيون طوال السنوات، أن نصل إلى اتفاق مرحلي ونجمّده"، مؤكدا التفسير العملي الذي قدمه هوبرمان لاتفاقات أوسلو. وأضاف أنه نتيجة خشية الفلسطينيين من سيناريو كهذا، كان يجب أن يوضح لهم أن الهدف الإسرائيلي هو فعلا الوصول إلى اتفاق دائم يمكن العيش معه، لكن بعد ذلك جاءت فترة نتنياهو، الذي يرى بيلين أنه ينفذ عمليا ما تحدث عنه هوبرمان وكتب عنه.
وقال: "عندما وصل نتنياهو إلى الحكم في عام 1996، فعل في الواقع ما يتحدث عنه حغاي. أخذ الاتفاقات المرحلية، وبدلا من إلغائها كما وعد، جمّدها بشعارات من نوع 'يعطون يحصلون'، تتيح العيش في اتفاق مرحلي كما لو أنه اتفاق دائم، لكنه يشبه جسرا من الحبال لم يكن معدا ليكون تسوية دائمة، غير أنه مريح جدا في السياقات التي يتحدث عنها حغاي".
وعندما سألناه ما إذا كان حغاي هوبرمان محقا بالفعل في التفسير الذي يقدمه لاتفاقات أوسلو، حين يشير إلى حقوق إسرائيل وإلى حقيقة أن دولة فلسطينية لا تُذكر فيها، أجاب الدكتور بيلين بأن الأمر ليس تفسيرا، بل قراءة حقيقية وبسيطة لوثائق الاتفاق.
وقال: "يجب فقط قراءة الاتفاق. ليس طويلا. لا تُذكر فيه دولة فلسطينية لأن اتفاق أوسلو لا يتناول التسوية الدائمة ولا يتطرق إلى الحدود، ولا إلى مستقبل المستوطنات وما إلى ذلك. إنه يذكر فقط خمسة مواضيع سيكون من الضروري بحثها في السنوات الخمس المقبلة، ومن بينها الحدود، والمستوطنات، والقدس والترتيبات الأمنية". وكان التاريخ الذي كان يفترض أن يتوصل فيه الطرفان إلى تسوية دائمة هو الرابع من مايو 1999، لكن نتنياهو كان حينها قد أصبح رئيسا للوزراء، "ولم يحلم بتسوية دائمة معناها تقسيم البلاد".
وقال بيلين: "هناك من سيقول إن نتنياهو أنقذنا، وهناك من سيقول إلى أي هاويات دفعنا، لكن تفسير هوبرمان ليس تفسيرا. لقد فعل ببساطة شيئا لا يفعله الجميع، قرأ الاتفاق".
وسألنا بيلين أيضا عن قرار عدم ذكر مصطلح "دولة فلسطينية" في وثائق الاتفاق، وما إذا كان التوجه هو جعل الاتفاق مقبولا لدى أوسع جمهور ممكن. فأجاب بيلين: "طلبت من رابين إذنا بالتقدم حتى اتفاق دائم، لأنني خشيت من جهات متطرفة ستفعل كل شيء لمنع ذلك، وللأسف هذا ما حدث أيضا. رابين لم يوافق على ذلك. لم يكن هناك وضع عرضت فيه إسرائيل دولة فلسطينية. رأوا في ذلك موضوعا سيُبحث لاحقا مع الفلسطينيين. رابين تحدث عن كيان أقل من دولة، وكان لدى بيرس تصور لتعاون إسرائيلي أردني بشأن الضفة. بعد أن رفض اليمين اتفاقات لندن، لم يبق أمامنا في نظري إلا تقسيم البلاد. كنت آمل أنه ربما كان بالإمكان فعل ذلك مع الأردن، لكن شامير منع ذلك".
وأضاف: "لم تكن لدينا مؤامرة لتخليد الاتفاقات المرحلية، لكن نتنياهو، وهو يهودي يقرأ، قرأ هو أيضا الاتفاق وقال إنه بما أنه لم يُحسم أي شيء بخصوص الاتفاق الدائم والدولة الفلسطينية، يجب فقط إطالة الأمر قدر الإمكان، وهكذا أحصل على اتفاق دولي لا يمنعني من إقامة المستوطنات، لأن ذلك غير مكتوب فيه، وسيتيح لي أن أفعل ما أشاء طوال فترة ولايتي".
وبالإشارة إلى الخطوات التي خلقت واقعا لا يمكن الرجوع عنه، مثل تسليح عشرات آلاف الفلسطينيين في جيش شرطي أو شرطة عسكرية، قال بيلين إن واقعا لا رجعة عنه قد نشأ بالفعل. وبشأن ما هو متوقع من الآن فصاعدا في ضوء هذه الخطوات التي لا يمكن الرجوع عنها، عاد بيلين وذكر رؤيته للكونفدرالية بين إسرائيل والدولة الفلسطينية، وهي رؤية يدفع بها أمام جهات فلسطينية، وبموجبها لن يتم إخلاء أي مستوطن. وقال: "سيتم ضم معظم المستوطنين إلى إسرائيل، وسيتمكن الباقون من أن يقرروا ما إذا كانوا سيبقون في بيوتهم كمواطني إسرائيل ومقيمين دائمين فلسطينيين، أو إذا أرادوا فسيتمكنون من العودة إلى دولة إسرائيل بحدودها الجديدة، بعد أن نجري تبادل أراض".
ويرى بيلين أنه رغم أن "لا يمكنني القول إن لذلك تأييدا إسرائيليا هائلا أو تأييدا فلسطينيا هائلا، لكنه الحل الوحيد الذي سيمنعنا من الوقوع في وضع هو في نظري نهاية الصهيونية، وعلى الأرجح في نظر جزء من اليمين بركة، وهو أن تسيطر أقلية يهودية على أغلبية عربية".
وعن حقيقة أن الاتفاق الذي كان من مهندسيه يتحول في نظر شخصية يمينية واضحة مثل حغاي هوبرمان إلى اقتراح لتسوية دائمة، قال بيلين إنه لم يتفاجأ، وإنه يعرف أن قلة فقط تكلف نفسها القراءة، و"حغاي واحد منهم وأنا أقدره. إنه رجل عميق وذكي، يختلف مع آرائي وهذا متبادل، لكن ما قاله ليس اختراعا، أي تحويل التسوية المرحلية إلى تسوية أبدية، لأن هذا بالضبط ما يفعله نتنياهو، لكن من دون أن يقول ذلك، وحغاي يقوله".