
بعد أكثر من 53 عامًا على الهبوط التاريخي على القمر ضمن مهمة أبولو 11، أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا من مركز كينيدي الفضائي في فلوريدا مهمة "أرتميس 2"، وهي رحلة فضائية مأهولة ستمر بالقرب من القمر وتشكل مرحلة أساسية في الخطة الأمريكية لإعادة البشر إلى مداره ومن ثم إلى سطحه.
المهمة، التي تأجلت عدة مرات بسبب أعطال تقنية، من بينها تسربات هيدروجين ومشكلات في أنظمة المركبة، تُعد محطة رئيسية في برنامج "أرتميس" الأوسع، الذي يهدف إلى إنشاء وجود بشري دائم خارج كوكب الأرض. ووفقًا لناسا، تمثل هذه المهمة خطوة ضرورية نحو رحلات مستقبلية، بما في ذلك هبوط جديد على القمر والاستعداد لرحلات مأهولة إلى المريخ.
يتكوّن طاقم المهمة من أربعة رواد فضاء من دول مختلفة، في تعبير عن توجه جديد في عصر الفضاء. يقود المهمة رائد الفضاء ريد وايزمان، وهو طيار اختبار في البحرية الأمريكية. ويشاركه في الرحلة فيكتور غلوفر، الذي سيصبح أول شخص أسود يسافر إلى الفضاء العميق؛ وكريستينا كوخ، التي ستكون أول امرأة تغادر مدار الأرض؛ وجيريمي هانسن من وكالة الفضاء الكندية، وهو أول رائد فضاء غير أمريكي يشارك في مهمة إلى القمر.
وبحسب الخطة، ستدخل مركبة "أوريون" أولًا في مدار حول الأرض لإجراء اختبارات ومناورات، ثم تنطلق في رحلة تستغرق نحو أربعة أيام نحو القمر. وفي ذروة المهمة، ستمر المركبة على مسافة تقارب 6500 كيلومتر خلف الجانب البعيد من القمر، في إنجاز قد يسجل رقمًا قياسيًا جديدًا لأبعد مسافة يصل إليها البشر عن الأرض، متجاوزة 400 ألف كيلومتر. وخلال المرور في الجانب البعيد، ستنقطع الاتصالات مع الأرض لمدة تقارب 41 دقيقة، قبل أن تبدأ المركبة رحلة العودة التي تستغرق أيضًا أربعة أيام.
تحظى المهمة باهتمام واسع في وسائل الإعلام العالمية، التي تشير إلى أنها ليست مجرد إنجاز تكنولوجي، بل تحمل أبعادًا استراتيجية أوسع. ففي وقت تعمل فيه دول أخرى، وعلى رأسها الصين، على تطوير برامجها الخاصة للوصول إلى القمر وبناء قواعد عليه، يُنظر إلى برنامج "أرتميس" كجزء من تنافس جيوسياسي متجدد في الفضاء.
ورغم الإنجازات المتوقعة، تواجه المهمة أيضًا انتقادات، خاصة بسبب تكلفتها المرتفعة والتأخيرات المتكررة التي سبقت إطلاقها. ومع ذلك، تؤكد ناسا أن هذه الاستثمارات ضرورية لتطوير تقنيات متقدمة وتعزيز التعاون الدولي ووضع الأسس لاستيطان بشري خارج كوكب الأرض.
ولا تشمل مهمة "أرتميس 2" هبوطًا على القمر، لكنها تُعد خطوة حاسمة نحو تحقيق هذا الهدف. ومن المتوقع أن تمهد الطريق للمهمات القادمة، وعلى رأسها "أرتميس 3"، التي تهدف إلى تنفيذ أول هبوط مأهول على سطح القمر منذ عصر أبولو.