
خلال أربعة وثلاثين عاماً من عملي في الاستشارة الاستراتيجية السياسية والأمنية، تعلمت أن أحذر بشكل خاص من اللحظات التي تبدأ فيها حركة التاريخ.
معظم الناس لا يميزونها في الوقت المناسب. آخرون يميزونها ويخشون الاستنتاجات. ما يحدث في إيران في الأسابيع الأخيرة ليس مجرد احتجاج اقتصادي، ولا غضب موضعي، ولا انفجار لحظي. إنه تآكل عميق في شرعية حكم الخوف. وحتى إن نجا نظام آيات الله من هذه الجولة، فقد دخل بالفعل مرحلة الانحدار.
سقوط الأنظمة الشمولية ليس حدثاً تلفزيونياً. إنه عملية. والمرحلة الأخطر في هذه العملية هي اللحظة التي يفهم فيها الجميع أن الحكم لم يعد كليّ القدرة. في إيران، وصلت هذه اللحظة. الشارع لم يعد يصدق التهديدات، والنخب بدأت بتسييج المخاطر، والعالم يراقب بترقب لكن من دون خطة.
هنا تبدأ المشكلة.
على المستوى العالمي، تُعد إيران حجر أساس في النظام الدولي المشوه الذي بُني خلال العقد الأخير. محور روسيا-الصين-إيران ليس محوراً أيديولوجياً فحسب، بل منظومة مصالح باردة: سلاح، طاقة، التفاف على العقوبات، وتآكل الهيمنة الغربية. إضعاف دراماتيكي لإيران سيزعزع هذا المحور من الداخل. الصين ستُضطر للاختيار بين استقرار الطاقة وبين دعم نظام يتفكك. روسيا ستفقد شريكاً مركزياً في ساحة الشرق الأوسط. والغرب سيعود ليواجه سؤالاً اعتاد تهميشه: هل هو مستعد لدفع ثمن من أجل تشكيل واقع، أم سيكتفي بإدارة الأزمات؟
في الشرق الأوسط، ستكون التداعيات فورية. إيران ليست مجرد دولة معادية. إنها مركز قيادة. حزب الله، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيون في اليمن، وحماس، جميعهم يعملون تحت مظلة إيرانية. من دون طهران قوية، ستدخل هذه المنظومة إما في التفكك أو في الانفلات. لن يحدث ذلك بهدوء. المنظمات التي تفهم أن ظهرها ضعف تميل إلى ممارسة عنف أكبر، لا من موقع قوة بل من موقع خوف.
من يتحدث عن سلام إقليمي في اليوم التالي لسقوط النظام الإيراني لا يفهم الديناميكية. مرحلة الوسط ستكون خطِرة، صاخبة وغير متوقعة. دول سنية ستحاول توسيع نفوذها. جهات متطرفة ستحاول ملء الفراغات. حدود ذهنية وعسكرية ستُختبر من جديد.
ومن هنا إلى إسرائيل.
بالنسبة لإسرائيل، إيران ليست عدواً آخر. إنها المحرك. إنها التهديد متعدد الساحات. وهي التي تُمكّن حروب الاستنزاف الطويلة عبر الوكلاء. إضعاف طهران أو سقوطها سيغير بيئة التهديد لإسرائيل من أساسها. ليس غداً صباحاً، لكن بصورة عميقة. إنها لحظة استراتيجية لم تختبرها إسرائيل منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.
لكن هنا يكمن الاختبار بالتحديد. نظام متأرجح قد يحاول صناعة حرب خارجية لتوحيد الصفوف. أذرع إيرانية قد تتحرك بتوقيت خاطئ تحت ضغط. من يفهم الاستراتيجية يعرف: حين يضعف العدو، يرتفع الخطر على المدى القصير تحديداً.
لذلك، السؤال الحقيقي ليس هل سيسقط النظام الإيراني. السؤال هو هل إسرائيل والغرب مستعدان لأن يسقط بالفعل.
على إسرائيل أن تفكر منذ الآن في "اليوم التالي". لا بالشعارات، ولا بالآمال، ولا بالحماس. من هم اللاعبون في إيران المستقبلية الذين يستحقون إدارة حوار معهم. أي خطوط حمراء غير قابلة للمساومة. وكيف نمنع إيران حرة من التحول إلى إيران فوضوية وخطرة من نوع جديد.
أما الغرب، فلا يمكنه أن يسمح لنفسه مرة أخرى بالوقوف جانباً. الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فارغاً. إذا لم تدخل الديمقراطيات بخطة ورؤية وحزم، سيدخل آخرون مكانها.
وهذه هي الخلاصة الأهم حقاً: سقوط نظام آيات الله، إن حدث، لن يكون نهاية قصة بل بدايتها لمعركة جديدة على صورة إيران وعلى صورة الشرق الأوسط. من يصل مستعداً يؤثر. ومن يصل متأخراً يدفع الثمن.
هذا ليس وقت الاحتفالات. هذا وقت التفكير البارد، والقوة الهادئة، والقيادة التي لا تخاف الحقيقة.
الكاتب بوعز ليبرمان، مستشار استراتيجي كبير لإدارة الأزمات.