ד"ר עופר ישראלי
ד"ר עופר ישראליצילום: שבי קדם

يظل حزب الله حتى اليوم قوة عسكرية مستقلة هائلة في لبنان، بامتلاكه ترسانة ضخمة من القذائف والصواريخ التي تقوض سيادة الدولة وتشكل تهديداً دائماً بمواجهة مدمرة مع إسرائيل.

ومع اهتمام إسرائيل وأطراف عديدة في لبنان بتفكيك سلاح حزب الله، إلا أنه لا يوجد حل سحري؛ فمحاولة "حسم" الأمر عبر تحرك عسكري واحد ستكون محفوفة بالمخاطر وقد تفشل. بدلاً من ذلك، تبرز الحاجة إلى نهج "الاستنزاف الممنهج" - أي الإنهاك التدريجي والمعقد لقوة الحزب - كبديل واقعي لحرب الحسم.

أولاً، يجب تقويض الشرعية الشعبية الداخلية التي يتمتع بها حزب الله في لبنان. يبرر الحزب وجوده العسكري بكونه "دفاعاً ضرورياً" عن لبنان ضد إسرائيل، لكن حجة "المقاومة" هذه يمكن زعزعتها. إن الخطوات الدبلوماسية، مثل التنفيذ الكامل لقرارات الأمم المتحدة واتفاقيات وقف إطلاق النار على الحدود الشمالية، والانسحاب الإسرائيلي من المناطق اللبنانية التي لا تزال محل خلاف، وتجنب الحوادث الهجومية عبر الحدود، ستجعل من الصعب عليه تبرير استمرار الاحتفاظ بسلاحه.

وبالتوازي، يجب كشف الثمن الباهظ لمغامراته العسكرية أمام الجمهور اللبناني: الدمار المتكرر في البلاد، والعزلة الدولية، والأزمة الاقتصادية المتفاقمة - كل هذا يقوض الصورة التي رسمها حزب الله لنفسه كـ "حامي لبنان"، وبالفعل بدأ الكثيرون في البلاد، حتى من خارج الطائفة الشيعية، ينفضون من حوله. إن تآكل أسطورة "المقاومة" وإبراز البديل المتمثل في لبنان سيادي ومتعافٍ لا توجد فيه ميليشيات مسلحة سيمهد الطريق لتقويض شرعيته نهائياً.

ثانياً، يجب ضرب مصادر قوة حزب الله وقطع القنوات التي تسمح له بمواصلة التسلح تدريجياً. ويتمثل ذلك أولاً في تجفيف منابع التمويل وإمدادات الأسلحة من إيران. تستثمر طهران موارد هائلة في حزب الله؛ لذا يجب تشديد العقوبات والرقابة على القنوات المالية وعمليات التهريب من إيران وسوريا ومصادر أخرى. وفي المقابل، يجب سد الثغرات داخل لبنان: تعزيز الرقابة على الحدود لمنع تهريب الوسائل القتالية، ومحاربة الفساد الذي يسمح للحزب بالالتفاف على الدولة. وعلى الحكومة اللبنانية حشد الدعم لنقل الصلاحيات الأمنية إلى الجيش. إن أي تقليص لتدفق الأموال والسلاح والغطاء السياسي سيضعف قدرات الحزب العسكرية تدريجياً.

ثالثاً، يمكن للأزمات الكبيرة أن تتحول إلى فرص - وفي حالة حزب الله، فإن الهزات الأخيرة تفتح الباب أمام خطوات كانت تبدو مستحيلة في السابق. الأزمة الاقتصادية الحادة في لبنان حولت حتى مؤيدي الحزب ضد "السلطة الفاسدة". وبالموازاة، تكبد حزب الله خسائر فادحة في جولات القتال خلال عامي 2023-2024؛ حيث أصيب العديد من المسؤولين البارزين، ودُمرت قدرات عسكرية، وأصبح الحزب منهكاً عسكرياً واقتصادياً - حتى إيران، راعيته الرئيسية، قد ضعفت. وبضغط أمريكي ودولي، تقرر اتخاذ خطوة غير مسبوقة: تفكيك جميع الميليشيات المسلحة، وعلى رأسها حزب الله، بحلول نهاية العام. وتحظى هذه الخطوة بدعم واسع من الولايات المتحدة وفرنسا ودول عربية، حتى أن إسرائيل رحبت ووعدت بخطوات مقابلة إذا تقدمت الخطة. إنها فرصة نادرة يُدفع فيها حزب الله إلى زاوية عسكرية سياسية، كما أن الإجماع ضد استمرار وجوده المسلح أصبح أوسع من أي وقت مضى. لن تظل نافذة الفرص هذه مفتوحة لفترة طويلة، لذا من الضروري التنسيق الآن للاستفادة من ضعف الحزب والمضي قدماً نحو تفكيكه.

وخلاصة القول، إن تفكيك سلاح حزب الله لن يتحقق بضربة واحدة، بل بعملية طويلة من الاستنزاف الممنهج. سيتطلب تحقيق هذا الهدف الصبر والتنسيق الدولي والاتساق - بالانتقال من مفهوم "الحسم" العسكري إلى إدارة صراع منهجي حتى يتفكك الحزب. وفي المرحلة الحالية، يجب على إسرائيل الاستمرار في شن هجمات محددة ضد بنى حزب الله التحتية ومسؤوليه البارزين مع الحفاظ على ضبط النفس لمنع التصعيد، حتى يتم تنفيذ خطة التفكيك. هذا النهج أكثر واقعية واستقراراً من وهم النصر العسكري الفوري. إن الاستنزاف المستمر لحزب الله هو المسار الاستراتيجي الصحيح لتعطيل تهديده وضمان تحرر لبنان من عبء الميليشيا المسلحة واستعادته لسيادته الكاملة، وهو ما سيساهم بالضرورة في أمن إسرائيل.

*الكاتب هو الدكتور عوفر يسرائيلي، خبير في الجغرافيا الاستراتيجية والشرق الأوسط، ومحاضر كبير في الكلية الأكاديمية أشكلون. سيصدر كتابه الرابع "تداعيات معقدة في صراعات الشرق الأوسط" قريباً (2025) عن دار نشر ماغنيس التابعة للجامعة العبرية في القدس.