
من الصعب جداً التوجه بالدعاء إلى الله يوم الغفران وطلب المغفرة عن خطايا الماضي، بينما تُطرح في ذات اليوم مسألة حاسمة تتعلق بالمستقبل القريب: خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، والتي تتعارض - كما يبدو - مع المبادئ الأساسية لدولة إسرائيل وقرارات الكابينيت التي أُرسلت بموجبها القوات الإسرائيلية للقتال.
هذا الشعور يشتد في لحظات الدعاء التي تتحدث عن التضحية والفداء، بينما نتذكر المآسي التي وقعت في العامين الأخيرين، والعائلات الثكلى التي طالبت مراراً "بألا تكون هناك جولة أخرى". ويتضاعف الشعور مع ختام الصلاة حين يُتلى "إخواننا كل بيت إسرائيل"، ويبرز السؤال المؤلم: هل من الممكن أن تكون الصفقة المطروحة ضارة بمصير المحتجزين؟
نصوص الخطة تحمل إهانة واضحة لأرض إسرائيل وشعبها. قبل الخوض في الجوانب الأمنية والسياسية، من المهم الإشارة إلى المبادئ المقلقة التي تستند إليها الخطة: غزة تُقدَّم كأنها تنتمي "للشعب الفلسطيني" الذي "عانى طويلاً" وحان وقت إعادة بناء حياته، دون أي ذكر لحقوق إسرائيل التاريخية أو القانونية.
الخطة تنكر أن لإسرائيل أي حق في غزة، بل تحدد الهدف النهائي بإقامة دولة فلسطينية هناك، عند توفر الشروط وتنفيذ السلطة الفلسطينية لإصلاحات مطلوبة. وحتى ذلك الحين، تدعو الخطة إلى "حوار" بين الطرفين لتحقيق "السلام المشترك".
أمام هذه الرؤية، من الضروري التذكير بالحقيقة: غزة جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل، وفقاً للحدود التوراتية، للقانون الدولي (تصريح بلفور، مؤتمر سان ريمو، وصك الانتداب)، ووفقاً للقانون الإسرائيلي. لا فرق بين غزة وأي منطقة أخرى في البلاد، وكل شبر من أرضها — فوق الأرض وتحتها — هو جزء من وطننا.
ليس هناك "شعب عزّي" تماماً كما لا يوجد "شعب فلسطيني". غالبية سكان غزة يصنفون كلاجئين من قبل الأمم المتحدة، وهم يطالبون بالعودة إلى مدن داخل إسرائيل مثل أشدود، أشكلون ويافا، وليس إلى غزة فقط.
الكنيست الإسرائيلي أقرّ بأغلبية ساحقة أن إقامة دولة فلسطينية غرب نهر الأردن تشكل "خطرًا وجوديًا على إسرائيل"، وهذا ينطبق أكثر على غزة، حيث دعم سكانها بشكل واسع مجزرة السابع من أكتوبر، وشارك الكثير منهم فيها بشكل مباشر، بينما لم يساعد أي منهم المحتجزين، بحسب ما ذكره ترامب.
خطة تُبرز معاناة الغزيين الذين اختاروا حماس ولا تذكر معاناة الضحايا الإسرائيليين، ليست فقط غير متوازنة، بل غير أخلاقية. والأصعب حين تطلب هذه الخطة حواراً حول "التسامح المشترك" دون الاعتراف بالفظائع التي ارتُكبت بحق سكان التجمعات الإسرائيلية المحاذية لغزة، الذين سعوا للسلام وقُتلوا بوحشية.
من المؤسف أن رئيس الحكومة الإسرائيلي تحدث في الأمم المتحدة عن الحقائق، بينما في البيت الأبيض أعرب عن موافقة على خطة تتنكر لها. وإذا انتقلنا من المبادئ إلى التفاصيل، تتضح التناقضات الصارخة بين شروط إنهاء الحرب كما حددها الكابينيت، وبين ما تتضمنه الخطة المطروحة.
في الجانب الأمني، الخطة لا تضمن إزالة التهديد من غزة. فبدلاً من تفكيك البنية العسكرية لحماس ونزع سلاحها، تقترح الخطة إنشاء قوة أمنية دولية (ISF) تتولى الإشراف الأمني، بدلاً من الجيش وجهاز الأمن العام الإسرائيليين. بل وتتولى أيضاً بناء وتسليح وتدريب شرطة فلسطينية، وتدير انسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية من غزة.
المساعدات الإنسانية الضخمة ستُمنح للقطاع دون رقابة إسرائيلية، مما يجعل الخطة وصفة متفجرة لتكرار أحداث أكتوبر بشكل أكثر خطورة.
سياسياً، تُمنح السلطة الفلسطينية دورًا مباشرًا في إدارة معبر رفح، وتشارك في لجنة إدارة القطاع، ويتم الاعتراف بها كجهة شرعية تمهيدًا لإقامة دولة فلسطينية، بإشراف دولي — ما يعني تدويل الصراع. كذلك يُمنح الغطاء لمبادرات مثل الخطة السعودية-الفرنسية التي تدعو لحل الدولتين.
والأخطر هو ما يتعلق بالمحتجزين: حتى لو رفضت حماس تنفيذ الخطة، فإن معظم بنودها ستُنفذ فوراً، مثل وقف الحرب، إدخال المساعدات، إعادة الإعمار، فتح المعابر، ودخول جهات دولية — دون أي مقابل من جانب حماس. أما الثمن الوحيد الذي قد تدفعه الحركة لقاء الإفراج عن المحتجزين فهو إطلاق سراح السجناء ومنح العفو، بينما باقي المكاسب تتحقق لها مباشرة دون أي التزام.
بذلك، تتخلى إسرائيل فعلياً عن أحد أهداف الحرب المركزية: إعادة المحتجزين، وتوافق على واقع جديد في غزة لا يخدم أمنها ولا مستقبلها.